المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة نسخة كاملة : قلبــــــــه الأبيض , وقلبـــــــــــي ...........


دفاء الكون
19/12/2008, 09:19 مساءً
قرر أن يتــــرك الدراسة في الجامعة , ويبحث عن عمل .
ماذا يفعل فقد ضاقت به الدنيـــا كما يقولون !
ماذا يفعل ؟ وهو أكبر أخوان الخمســـة .. ناهيك عن والده المقعد ووالدته العاجــزة ..
ثمانية أفـــواه تبحث عن الطعـــام , و ثمانية أجساد تنشد الرداء .
و الراحـــة .. و العيش ..
( من جد تعبت .. لا زم أشوف لي حل )
يسقط والده على الأرض بلا حراك .. مثل قطعة حجر تلف أساسها , فتصرخـــون جاريين إلى جسده الملقى على الأرض , تصرخ والدته مناديـــة باسم زوجــها : ( متعب ) ... متعاااااااااااااااااااااااااااااااااب !
يضع يده ليحس بالنبض ثم تقـــول بصوت مبحوح : لا شيء .. لا شيء ..
وتتجمـــع أسرته على جسد والدهم باكيـــن وصارخيــن غير مصدقين بما حدث ..
" أزمة قلبية ... صحيح أنها كانت قـــوية , لكن ربك أراد له النجاة الحمد لله على سلامة والدك "
أزمة قلبية ؟
أزمة قلبية ؟
والدك أصابته أزمة قلبية ؟ ما الذي ستفعله الآن ؟!
سأبحث عن عمل بالتأكيد ..
*
حاول أن يخرج الآسف على وجهه .. لكنه لم يستطع , فكانت الابتسامة على وجهه غامضة غربية : آسفيـــن , لسنا بحاجة إلى موظفين الآن ! وكمان الشهادة الثانـــوية في هذا الزمن لا تكفي !
يهز رأسه في فهم , ثم تقـــول بأمل أخير : طيب , يعني ما عليك أمر , أيمكنك أن تساعدني بشيء .
يتأمل وجهك ولسان حالة يقول ألف جملة و جملـــة , ويصبغ نفس الابتسامة : يعني أيش , تبغاني أدور لك ؟ أنت صاحب الحاجة , وصاحب الحاجة هو اللي يـ ....
و يخرج تاركه يكمل فلسفتـــه الخاصة براحته !
حســـناً .. يبدو أنه لا مفر من العمـــل بيدك , فلتجـــرب أقرب المحلات إليك ..
ترى اللافتـــة ( أبو عبد الملك للفاكــهة و الخضروات ) ..
تسمي بالله و تســـأله التوفيق و ... : السلام عليكم ..
يخرج لك من بين صناديـــق المــوز رأس رجل يبدو أنه في بداية الأربعين من العمـــر : وعليكم الســـلام .. هلا بالطيب !
تستبشر خيــراً بابتسامته الودودة الباعثة على الارتياح : أرغب بمقابلة صاحب المحل .
يضع غطاء الصندوق و يحمله ليضعه مع بقية الصناديق ليجيب و هو يصفق بيده طارداً منها التراب : نعم آمر أخوي ..
آهٍ ما أقســـى الفقر و الحاجــة , تخفض رأسك وتقــول : والدي كبير بالسن و مريض بالقلب و أنا العائل الوحيد – بعد الله سبحانه وتعالى – لعائلتي .... و أبحث عن عمــــل ...
ترفع نظـــرك إلى وجهه لتجد أن الابتسامة قد ماتت وحل محلها نظــرة ملولة , ثم يسألك في تذاك : ولمــاذا لا تعمل أنت وتصرف على أسرتك ؟ ألم تكمل دراستك ؟
تنكـــس رأسك من جديد : يمكن أحول انتســـاب , أشتغل و أدرس ..
تبدو عليه علامات التفكــــير , فتقـــول له بأمل : أنت تحتاج إلى من يساعك بالتأكيد , فمحلك – ماشاء الله – واسع ويحتاج إلى بعض الجهد في التظيف و الترتيب , و إن شئت حملت المحل كله على رأسي كما يقولون .
يهرش لحيـــته , ثم يقول بحزم : كان عندي عاملاً هندياً , اكتشفت قبل شهر أنه لص .. كان يسرق مني كرتوناً أو كرتونين ويبيعها بدون علمي .
تقـــول بصدق : لو كنت أرغب بالسرقة لذهبت إلى المصرف , أو لسطـــوت على قصر من قصور الأثرياء !
يفرك يديه قائلاً بحــــرج : و الله كان ودي , لكن حالياً لا أستطيـــع فأنا أمر بظروف تمنعني من أدفع لأحد ولو ألف ريال ... أنا آسف .
لا يبدو عليه أنه يعاني من مشاكل ماليه : طيب , ولو 500بـ ريال .. أعمل بأي سعر حتى أجد عملاً آخر ... أرجـــ ...
يهز رأسه في نفي و هو يصفق بيده من جديد : الله يرزق الجميـــع , كلنا محتاجـــون ..
وتسمعه وهو يتمتم : والدي مريض بالقلب , لم لا يبحثون عن كذبـــة جديدة !!!
*
تمتلئ عيناك بالدمـــوع و أنت ترى أخوتك يأكلون عشائهم بصمت ووالدك جالســاً على الأريكة يأكل بطبقه , اليـــوم نأكل ... وغـــداً ؟ و بعده ... و بعده ؟
تقول لك والدتك : تعشا يمه , الله ما يضيع عبيده أبداً .
تهمـــس لها بحزن : يمه , حتى عامل مالقيت ! شلون بنعيـــش ؟!
تتنهد والدتك : ربك كــــريم ..
ترتفع عيناك عالياً داعياً الله بكل مافي قلبك من الأمل الكبير بالله : يا رب ..
*
" الــــسلام عليكم "
وكأنه يعرفك .. بل بدا و كأنه كان ينتظر قدومك !
يبتسم بوجهك ذاك الوجـــه الأسمر ذو اللحيـــة الكثيفة : وعليكم السلاااام ورحمة الله .. هلا حياك .
تشعر بالراحـــة من ابتسامته , وتزداد حماسة عندما تسمع صوت شريط القرآن يتلى من المسجل على الطاولة : أأنت صاحب المحل ؟
يخفض صوت المسجل : وصلت خير , نعم ؟
تشعر بالحـــرج , وتقـــول بعد أن تتنحنح : و الله ما أدري وش أقول لك يا شيخ , لكن ... أنا مســـؤول عن عايله كبيرة و أبوي كبير بالسن ومريض بالقلب و .....
و ترفع بصـــرك لتجده يستمع لك وهو يمسح لحيته مدخلاً أصابعه فيها , وتكمل : أبحث عن عمل يا شيخ ... بأي أجر تعطيني أياه , فأنا لا أزال طالباً في الجامعة .. سأكون منتسباً و سأخلص لك بالعمــــل .
يســـألك بنفس ابتسامته : أتقصد أنك لا تزال طالباً منتظماً , ألا تكفيك المكافئة الجامعيـة ؟!
تخفض بصرك , وتقـــول بصوت ضعيف : لا , فوالدي رجل مقعد , و أنا أكبر أخواني وكل من بعدي هن من الإناث و لم يكملن دراستهن حتى الآن , هناك أخ لي .. لكنه الأصغر و لا يزال في المرحلة المتوسطـــة !
يتـــأمل وجهك وهو يفكـــر , ثم يسألك بابتسامة أثارت فيك راحة لا توصف : ما أسمك يا بني ؟
آه يارب ... يارب : ( راشد ) ..
يضرب سطع الطاولة بخفـــة قبل أن يقــول : يا راشد إذا كنت تريد رأيي , فابق منتظماً بدراستك ... مكافئة الجامعة على الراتب الذي ستأخذه مني , سيكفيك عن الســـؤال بإذن الله .
تتسع عيناك غير مصدق , فيقــول لك موضحاً : أي أنك ستدرس في الجامعة كما كنت بالسابق , وعملك لدي يبدأ بعد صلاة العصر إلى الليل .. هاه وش قلت ؟
ماذا أقــــول غير فلينور الله دربك و يحفظك من كل ســـــوء : و الله مدري وش أقول لك يا شيخ , الله يرزقك من رزقه ... جزاك الله خيراً .
يضحك الشيـــخ بخفة قبل أن يقـــول : وعملك يبدأ من اليـــوم , وبما أننا في أواخر الشهر فسأعطيك أول راتب لك .
أيعقل أن هناك أناساً بهذا الطهر و النقاء , تقول مازحــاً مخفياً حرجك منه : ألن تجربني أولاً , ألا تخاف أن أكــ ....
يقاطــعك وهو يخرج محفظته من جيبه : أترضى أن أصفك باللص ؟!
أاختبار هـــو ؟ : لا يوجد هناك من يرضى بذالك !!!
ثم تـــقول ماداً يدك إليه لتمنعه من إخراج المال من المحفـــظة وأنت تكاد تذوب حرجاً : لا يا شيخ خلها بعديــن .
يعقد حاجبيــه في ضيق : من صاحب المحل هنا ؟
ثم يضع أمامك 1000 ريال كاملة , ويقـــول : هذا راتب الشهر الأول , ومع دخول الشهر الثاني ستأخذ راتبك الثاني ... فأنا لا أرضى بالظلم .
تنظـــر إلى الخمس مائة , و المائتين , و المئات الثلاث المنفردة ...
ألف ريال ؟ و في يومي الأول ؟ وقبل أن أبذل ذرة مجهـــود !
كم أنت رجــــل عجيب يا سيدي !
*
لا أدري لماذا أشعر بأن الزمن يتـــوقف إذا دلفت إلى المحل !
ففي الخارج هناك عالم يضج بالحركة .. أحداث في شتى الاتجاهات , و إذا دخلت محل هذا الرجل أكون دخلت أرضاً عجيبة لم أعرفها ..
أرض يثيرني غموضها .. و يسحرني تفردها ..
فأحببتها !
كان يسمح لي أن أحضر بكتبي و مذكـــراتي و كان يخفض صوت المسجـــل إذا رآني أذاكـــر أو أقرأ كتاباً ما !
كنت أعمل و أذاكر , و في وقت فراغي أجلس معه نتحدث في مختلف الأمــــور !
نظل نتحدث .. ونتحدث , وكان يحب أن يسمع مني أكثر مما أتكلم , وعادته العجبية هذه جعلتني أصابتني بالزهو لدرجة أنني ظننت أني أكثر منه علماً ! ففاجأني بـ ..
" تتزوج بنتي يا راشد ؟ "
انتفضت عندما سمعت هذه العبارة بصـــوته , والتفت عندما سمعته يضحك على , وقال : عندي بنت في الصف الثالث الثانـــوي , تحلم بالزواج طوال الوقت و أزعجتنا بزوجها الوهمي و كيف ينتشلها من بيتي المتواضع إلى مملكتها الأسطـــورية الخاصة !
ابتسمت بهدوء و قلت : الله يخليها لك .
يسترخي في مجلســـه قائلاً : راشد .. أنا أعرض بنتي عليك لتتزوجها .. إذا كنت ترغب برؤيتها نرتب لك زيارة لتراها وتراك .. ولكن بشرط ألا تدري هي أنني عرضتها عليك حتى لا يصيبها الإحباط .. تدري .. عشان ماتقول لو لا أني ماعرضتها و ما انخطبت !
تحولت دهشتي إلى الذهول : تتكلم جد ؟!
يهرش لحيتــه الكثيفة : وهل يُمزح في هذه الأمــــور ؟ راشد .. أنت شاب طيب القلب طاهر النفس .. لم لا تكون لديك من تــؤنس وحدتك و تملأ حياتك ! فالرســول صلى الله عليه وسلم وصف الرجل الغير متزوج بالمسكيــــن !
ضحكـــت و أنا ألوح بالمذكرة : ألا أبدو كذالك ؟ ها أنا أدرس و أعمل من أجل أسرتي ..
ضربني على كتفي ثم قال : و لهذا أرغب بتزويجك !
أضع المذكرة على الطاولة : و المهر .. و العُرس .. أنا لا أملك ما يكفي لـ إقامة وليمة متواضعة , فكيف أتزوج ؟!
عاد إلى جلسته المسترخية : لن نطلب مهراً عالياً , و لن نقيم حفلاً ضخماً تكفي وليمة ندعو بها الأهل و الجيــران ... فكلما كان الزواج متواضعاً زادت بركته , ومن يسر على معســـر يسر الله له أموره .
في الحقيقة لم أكن مصدقـــاً لأي كلمة مما قال , سألته في حذر : أنت تمزح أليس كذالك !
بدا عليه الضيـــق : قلت لك لا مزاح في موضوع كهــذا !
كنت أستمع إليه مأخوذاً به , وقلت بشرود : ولماذا ؟
قال بابتسامة : .. حتى تساعد والدتك في أعمال المنزل و لترعى شؤونك و تشاركك حياتك , أنةا متأكد أنك تخفي الكثير عن أهلك .. فلتكون ابنتي هي أميرة مملكتك !
بصراحة رفع ضغطي بمثاليته : أأنت بشري مثلنا ؟ أني لا أرى فيك عيباً واحداً !
ضحك وهو يشعل المســـجل على شريط القرآن : بلى , اليـــوم لم أصلِ الفجر إلا بعد طلوع الشمــــس .
بدأ الشريط يقرأ ســـورة البقرة بصوت الشيخ ( سعد الغامدي ) , فقال لي : أنصحك بقراءة سورة البقرة كل يوم .. و أن تشعل شريطاً في دارك , فالبيت الذي تتلى فيه ســـورة البقرة لا تدخله الشياطين .
ثم شرب القليل الماء , و قال : أسمعت عن قصة الرجل الذي عشق امرأة متزوجة فأراد أن يفرق بينها وبين زوجها لتحل له , وذهب إلى أحد السحـــرة المعروفين بفعل هذه الأمـــور فقال له أنه يرغب بأن تدب المشاكل بين هذين الزوجيـــن ليحصل الطلاق و يتزوج هو هذه المرأة !
اندمجت بالقصة معه , رفع بصرة إلى السقف مكملاً وهو يمسح على لحيته و كأنها ابنته المدللة : قال له الساحر بأن يفعل كذا و كذا و إن يحضر له من أثرهم و أعطاه كيساً أمره أن يضعه في مكان ما مهجـــور و سيرى النتيجـــة بعد ذلك ..
وسكـــت , فقلت في حمـــاس : وما الذي جرى بعد ذالك , هل حصل الطلاق !
أنزل بصره إلي و أكمل بابتسامته التي أحبها : مرت الأيام , وذهب الرجل إلى نفس الساحر و قال له بأن ما وعده به لم يحصــــل .. أتدري ماذا قال له الساحر ؟ قال إن الجن و الشياطين لم تستطيع دخول هذا البيت و كأن هناك جداراً يصدهم عن الدخول ..
اقشعر جسدي و أنا أحاول تخيل الموقف , و أكمل : فيما عرف أن سكان هذا البيت من المداومين على الأذكـــار و لا يمر يوم لا تتلى فيه ســـورة البقرة !
*
أتممت ثلاثة أشهر عند الشيخ ( صالح ) , ثلاثة أشهر و أنا أعيـــش حياة أخرى غير الحياة السابقة , كنت أرافقه للمسجد المجاور .. و تعلمت منه المواظبة على الأبكار في الحضورإلى الصلاة , و المحافظـــة على السنن الرواتب .. وقراءة القرآن إلى أن تقوم الصلاة ..
بل أني حفظت آخر جزأين من القـــرآن خلال أوقات الفراغ الذي كان يشجعني على حفظ الســور القصار , وكان مجلسه مسلياً و لم أمل يوماً بالحديث معه ..
تحدثنا بكل شيء تقريباً , بالحيـــاة .. بالديـــن .. بالأدب و الفلســـفة و حتى المزاح و التسلية لم تخلو من جلستنا , وعرفت أنه كان يحلم أن يكـــون خطيباً في المسجد .. و أن يعمل في الدعـــوة إلى الله و أن ينشر هذا الديـــن إلى جميع أنحاء الأرض ... بل الكـــون كله ..
سألته باهتمام : و لم لم تحقق أمنيتك هذه ؟
أغلق عينه متجاهلاً ســــؤالي , كررت سؤالي ... فـ ...
" للمرة الثانيـــة ... راشد تتزوج ( وعد ) "
فكـــانت إجابتي ضحكة طويلة لا تحمل أي رد ... أو تحمل , من يدري ...
*
كل شيء كان رائعاً و الحمد لله , حالتنا المادية مستقرة , أنا أتقدم بدراستي و أخواني كذالك , ووالدي بخير وعافية و أمي ترعاه ...
كل شيء كان رائعاً ... حتى التقيت بـ ( يوسف ) ...
*
لا أدري كيف أصبح يوسف صديقي ؟! , فجأة أصبح هناك شاباً يرافقني للمسجد يومياً , يسأل عني و أسأل عنه , أشكو له ضيقي فيخفف عنـــي و ينصحني بالصبر ..
" تبي الصراحة ؟ أنت غبي "
كنا نسيـــر عائدين من المسجد إلى محل الشيخ صالح لأفتحــه , قال لي يوسف بعد أن تلفت فيما حولـه : أنت مثل حامل الذهب .. تسير لأميال دون أن تستفيد منه بشيء , ألم تتوق نفســـك لأخذ عقد أو خاتم !
التفت إليه بحدة و باستنكار و بعدم تصديق : أتطلب مني أن أسرق ؟ ومن من ؟ الشيخ صالح !
نظـــر إلى بسخرية , وقال بازدراء : شيــــخ .. هه كم أنت ظريف يا صديقي ..
هتفت فيـــه بغضب : أنا لست بصديقك و لا أتشرف بصداقتك .
تثائب بكــل برود , ثم قال بابتســـامه كرهتها : قل ماشئت من الكلمات المضحكة , نحن في زمن لا يعيش فيه ســـوى الكاذب اللعـــوب ... أيها الملاك الطاهر ..
هنا وصلت إلى قمة ثـــورتي : أغرب عن وجهي ..
هز يوسف كتفيه واستدار منصرفاً , صرخت فيه : إن رأيتك ثانيـــة سأشطرك إلى نصفين ..
جاءني صوت الشيخ صالح يمحو كل أثر من الغضب في أعماقي : أشششششش ألم يخبروك أن الغضب و الصراخ يقصر العمـــر ؟!
قلت بوجه محمر محتقـــن : هذا اللعيـــن الحقيـــريقـ ...
يغرز أصبعه في صدري : كم مرة قلت لك ألا أسمع هذه الكلمات السخيفة , هو أخطأ فليحاسبه الله و يقتص لك منه ..
و أمسكني ليدخلني المحل , و أنا مستنكر لما يقول : يعني يغلطون عليك وتبغاني أسكت ؟! يسخروا منك و يصفوك بالتظاهر بالديـــن من أجل المال ! وفوق هذا كله يريدني أن أسـ ....
أغلقت فمي ووجهي يكاد ينفجــر من الدم المحتقــن , ابتسم الشيخ في وجهي و أخذ يقرأ المعوذات وهو ينفث في وجهي , ثم قال : مرة ثانية إن غضبت تعوذ من الشيطان و أبتعد عن محدثك و أترك المكان ..
شعرت بالخجـــل من تصرفي , قلت بصوت خفيض : أنا آسف ..
قهقه ضاحكـــاً , ثم قال : لم أكن أعلم أني أحتل هذه المكانة في قلبك !
تنهدت , وقلت بصدق : ما أدري , لا أحتمل أن يمسك أحد بســوء .. لأنك أغرقتني بكرمك و عطفك وحنانك معي , صدقني .. أتمنى لو تقابل والدي وتتعرف عليه أنا متأكد أنه سيحبك ..
جلس على مقعده , وقـــال وهو يصب لنفسه كأساً من الماء : هذا لأنك طيب القلب .. ولا يرد الطيب إلا اللئيم ..
*
لا ... لم ينته الأمر على هذه الحال , فكلام يوسف كان يتردد في أعماقي ..
لم لا تستفيـــد ؟ القليل من المال لن يضر !
لكن الشيخ رجل متدين و لا يرضى بالسرقة !
هو متدين و أنت لا , لن يشعر هل تعرف لماذا ؟ لأنه يثق بك ..
و أجازيه بأن أســـرقه ؟
هو يملك الكثيـــر , فلم يبخل عليك بالمال ؟ أنت لن تخدعه ستظل راشد خادمه المطيع , أنت ستأخذ بقدر حاجتك , لا تنسى أن دواء والدك شارف على الانتهاء , وحتى الآن لم ينته الشهر لتقبض راتبك أو مكافئة الجامعة !
مستــــحيل ؟ لن أسرق من أنقذني من ضياع محتمل , لن أسرق المحل الذي فتح لي بابه واحتضنني و أغرقني بالخيـــر , لن أسرق الرجل الذي أحبه مثل ما أحب والدي !
أنت أحمـــق ..
و أنت لئيم ..
*
كان المحل للملابس و المستلزمات الرجالية , ولله الحمد كان المحل ذا دخل ممتاز , صحيح أنه لا يزدحم كما يتمنى أي بائع لكننا نبيع يومياً ما يكفي لنشعر بالرضا ...
وكنت أرتب الطاولة الخاصة بـ ( الطواقي ) و أثناء عملي تذكـــرت الـخمس مئة ريال التي أخذتها من الزبـــون الأخير لم أعطيها للشيخ , ولم أضعها في الدرج , وعندما التفت لم أجده !
أين اختفـــى ؟ ربما ذهب إلى دورة المياه !
ولم تتعب نفسك بالســـؤال ؟ خذها و أرح رأسك ..
إن كنت أريد الراحة .. فسأعطيـــه إياها ..
من أجل خمس مائة ؟ هه أتعرف كم ربحتم اليـــوم !
هذا ماله ؟
ووالدك ؟ أتعرف أن غداً وبعد وجبة الغداء سينتهي دواءه وعليك تدبير ثمن التعبئة ! هذه الخمس مئة جاءتك هدية من السمـــاء ..
حســناً سأعطيه إياها ثم أشرح له حالة والدي ..
ولم تذل نفســـك ؟ وكأنه صاحب فضل عليك ! أنت تعمل عنده لأنك محتاج , ومنذ أن تنهي دراستك الجامعية وتحصل على وظيفة مناسبة ستترك هذا المحـــل الكئيب ..
كنت أصارع الرغبة بأن آخذ المال و أضعه في جيبي و أن أعطيه للشيـــخ , لكن و للأسف أخذت المال ..... ووضعته في جيبي !
و أخذت الهث وكأني في سباق , أكملت ترتيب الطاولة بعصبية وبسرعة , و أجفلت عندما سمعت صــوت الشيخ يسألني : كم الساعة ؟
مسحت العرق الذي ظهر على جبهتي ( أنا آسف ... أنا آسف ) وقلت بصوت مبحــوح : أحد عشر إلا ربع ...
أغلق شريط القــرآن وقال بتعب ظاهر : فلنغلق المحـــل إذاً ...
كنت أرتجف في داخلي ( أكيد عرف ... بالتأكيد رآني ... ماسر هذه النظرات إذا ) , أجفلت للمرة الثانية : راشد ؟ مابك .. هل أصابك المرض ؟
كدت أن أجيب بالنفــي , لكني تحدثت و كأن هناك من يجبرني على الحديث : صداع ... أشعر بصداع مع دوار خفيـــف ...
أقترب مني الشيخ بقلق واضح , وقال وهو يقيس حرارتي بيده : أنه الإرهاق بالتأكيد ... أنت تتعب نفسك بالعمل و المذاكرة ...
هززت رأســــي مخفيــاً حقيقة تعبي , و أخذت أقنع نفســـي بأن الأمر لا يستحق ( بضعة من المئات , هو يملك أكثر من ذالك لن يضره لو استعرت القليل منها ) ..
*
مائة , مائتين , ثلاثمائة , أربعمائة .......
" راشد , وش فيك ؟ "
أصبحت غريب الأطوار دائم الشرود قليل الكلام , و أجفل كلما ناداني الشيخ : ماذا ؟ لا شيء .. لاشيء ..
ابتسم وقال لي بلهجة حانية مزقت قلبي : إنها الاختبارات ولاشك ... لاتحزن فالله لا يضيع عمل أحد أبداً ...
غرقت عيناي بالدمـــوع ( مافعلته مشيناً ياشيخ ) , تمتمت بصوت خفيض : الله ... يستر
ربت على كتفي , ثم طوق كتفي وهمس : للمرة المليون .. تتزوج بنتي يا راشد ..
انتابني الغضب فجأة , وقلت له بلهجة هجومية : ولماذا هذا الإصرار على زواجي من ابنتك !
بدا عليه الحرج , وقال بوجه محمـــر : ههه ألا تقبل المزاح ياولد !
ارتجفت شفتاي من الغضب ... بل الخوف : لن أتزوج أبنتك لا اليوم و لا غداً ...
أقسم أن وجهه تبدل و كأنه رأى الموت ( أتحبني إلى هذه الدرجة يا شيخ أم أنك ترغب بالخلاص من أبنتك ) وقال مبتسماً في شحوب : فهمت ... لكني كنت أمزح ..
( أنا لا أستحق منك كل هذه المحبه .. أنا لص .. لص )
ومن بعد هذه اللحظــة تغير الشيخ صالح وكأنه تبدل إلى إنسان آخر , أصبح يلاحقني بنظرات اللوم و العتاب ..
أم هو بدأ يشك في أمـــري ويلاحقني بنظراته من أجل إيقاعي متلبساً ؟!
لا ... مستحيـــل ...
*
لا أدري كيف عرف كل شيء , تساءلت في سري هل كان يرقبني بالفعل دون أن أشعر !
كنت أحدق في وجه الشيخ صالح المكفهـــر من الغضب ( ماهذه النظـــرة , أنا لست بقاتل ) قلت له بصوت مرتجف : لـ ... لحظة يمكن ... تـ ...
امتدت يده تعصـــر معصمي وكأنه يرغب بقطعها , وقال بكلمات انغرست في أذني كالسكيـــن : أنت لئيـــــم ... شغلتك عندي وعطيتك راتب و راعيتك كطالب في الجامعة , جعلت من محلي بيتاً لك , وقبل هذا قـلبـ .....
أحمر وجهه من الغضب قاطعاً كلامه , ثم صرخ فجأة : و تسرقني يا رويشد ...
لئيــــم , أنا لئيم .. نعم فما فعلته كان في منتهى الحقارة ..
نعم , أنا لئيــم ..
نزلت دمعة من عيني , وقلت للشيخ بصوت خفيض و أنا أقاوم الرغبة في البكاء : أعترف بالخطأ , و إن كنت تود إبلاغ الشرطة فأنا ....
قاطعني بدفعـــة قـــوية إلى الباب حتى أني سقطت على الأرض : أخرج , لا أريد أن أراك لمدة أسبـــوع ...
وقفت منكســـاً رأسي ( أستحق أكثر من هذا ) , وخرجت من محلـــه و أنا أقاوم الرغبة بأن ألقي نظرة أخيرة إليه , إلى وجهه , إلى النظرة الحانية في عينيه ..
تدفقت الدمعات من عيني بغزاره , الشيخ صالح أصبح يكــرهني بعد أن لمست حناناً أبوياً لم ألمسه من أبي نفسه ( أنا لا أستحق أن أعمـــل عنده ) ..
وبرغم اعترافي بسرقته إلا أنه اكتفى بطـــردي و ....
لحظـــة ..
" لا أريد أن أراك لمدة أسبـــوع ... "
أسبــــوع ؟
عدت إلى المحل و أنا أجري بكل طاقتي المتبقية , و بكل محبتي لهذا الرجل الصالح ..
وجدته جالساً على مقعده متكئاً على الطاولة , أتراه يبكـــي لأجلي ؟
" يا شيـــخ "
لكنه كان ينظر إلي من خلف يده , قال لي بهدوء أشبه بالزمجرة : ماذا تريد ..
ثم وقف ليخرجني , قائلاً : هذه المرة سأطلب الشرطـــة بالفعـــل ..
أخذت كفه عنوة وقبلتها , ثم قلت له : أنت لم تطردني أليس كذالك ؟ أنت قلت أسبوع .. سمعتك بأذني ..
لم تفتني تلك النظــرة الغامضة في عينه , وقال لي وهو يدفعني بقـــسوة : أخرج قبل أن أنادي الشرطة ..
*
بكيت في حضن والدتي وحكيت لها القصــة كاملة ..
" ما فعلته يا راشد كان مشيناً , بالفعل كان تصرفاً لئيماً منك "
عاتبتها في ألم : أمي , لا داعي لهذا الكلام , أخطأت و أعترف , أخطأت و أرغب أن يسامحني ..
ربتت على كتفي بحنوها المعهود , وقالت لي : لا تقلق , و لا تيئس من رحمة الله .. من يدري ربما كان هذا خير لك ..
أقولك الشيخ صار يكرهني و تقولي لي خير ؟
استغفر الله و أتوب إليه
*
أسبـــوع مرت ببطء السلحفاة .. بل الحلزون ..
أسبوع كامل , سبعة أيام لم أرى فيها الشيخ صالح ..
أسبوع كامل و أنا أدعي ربي بكل ما في قلبي من إيمان زرعه هذا الرجل فيني ..
أدعـــو أن يسامحنـــي و أن يمنحني فرصة واحدة ..
أقسم أني لن أخذله أبداً .. أبداً ..
قالت لي أمـــي بابتسامة : أتحبه أكثـــر مني يا ولد ؟
قلت بشرود : غصب عنـــي يمه , عندما يكون هناك إنسان ينتشلك من الضياع و يضع يده بيدك ليوصلك إلى بر الآمان برغم أنه ليس مطالباً بهذا !
لم يكن أمامي إلا أن أحبـــه , حتى هو علمني معنى الحب , قال لي ذات ليلة : الحب شيء جميـــل و مفطــور عليه الإنسان , هل تدري أنك بمحبتك يمكن أن تدعو إنساناً إلى الإسلام و تحببه به و تنال أجراً عظيمـــاً ؟
سألته في حيـــرة : كيف يا شيخ ؟
قال لي : بحبي لك .. و بحبك لي ..و حبك لصديقك ... و لجارك .. أتكلم عن الحب في الله ..
هرشت رأسي و سألته بخجل : تبي الصراحة , أنا ما أعرف يعني أيش الحب في الله !
تفحص ملامح وجهـــي و كأنه يقول ( أنت تمزح ) , وقال بصيغة الســؤال : أتحبني يا راشد ؟
ابتسمت : ومن لا يحبـــك ! فأنت رجل كريم طيب القلب , وفوق هذا كله إيمانك بالله الذي أغبطك عليه ..
ضحك بمعنى ( لا تزودها ) , وقال و هو ينظر إلى السقف : تخيـــل لو قابلت شاب عادي , يصلي لله مبتعد عن الكبائر , لكنه مقصر في بعض الأمـــور ... و لما تعاشره تكتشف أنه يملك في داخله إيماناً مغلف بطبقة من التراب لكن ينقصــه التوجيه ...
صمت , ثم التفت سائلاً : كيف راح تكون مشاعرك تجاهه ؟
ضحكــت : و الله أني ما فهمت شي ..
مسح لحيتــه بيده قبل أن يقــول : تحبــه لإيمانه ... تحبه لإخلاصه بدينه .. تحبه لحبه لربه ...
ابتسمت في وجهه وقالت بمـــرح : إذا فأنا أحبك في الله ..
تنهدت بحـــسرة على تلك الأيام , وقلت لوالدتي بألم : حتى مزاحـــه له طعم خاص .. لا أدري لكني أشعر وكأن كلامه حكماً ودروساً مغلفة بمختلف الألوان ..
ويبدو أن والدتي شعرت بالنيران المستعرة في أعمــاقي , مسحت بيدها على ظهــري قائلة في حنو : ليكن هذا درس لك , أنت أخطأت و اعترفت بخطأك , أذهب و أعتذر أليه .. و إن لم يقبل اعتذارك فاعلم أن في ذلك لحكمـــة " وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيراً لكم "
تذكـــرت جملة قالها مرة الشيخ صالح ( الله لا يقدر على الإنسان شر ) , فبعثت هذه الجملــة فيني الراحـــة , تمتمت : الحمد لله ..
وتذكـــرت أن الشيخ كان دائماً يقول ( اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك ) ..
*
مرت ثــوان و عين الشيخ بعيني , و أنا صامت وكأنني مذنب ينتظــر حكم القاضي ..
وبعد أن طأطأت رأسي بيأس سمعته يقــول ببطء : ألم أٌقل لك ألا تأتي إلى هنا ..
بصوت مرتجــف و أملي بسماحه لي بدأ في الخفــوت : أنا جيت أعتذر , و أبغاك تسامحني و تذكرني بالخيــــر ..
وبعد ثوان أخرى من الصمت قال لي : ثم ....
اجتاحتني قشعريرة عندما خرجت منه هـــذه الكلمــة , فقلت بصـوت مبحوح : بس .. أريد رضاك علي ..
صمت .. وطال صمته ( لماذا تفعل بي هـــذا ؟ ) , فشعرت بالإهانة .. فمددت يدي له وعيني على الأرض , وقلت بحــزن : طيب ... مع السلامه ..
وكان رده صاعقاً , لم يمد يده لي و إن قال بكل برود : اللــه يحفظك ..
تخيلوا ... أسرق من ماله فيجازيني بالدعاء لي ..
أحبه .. أحبه ..
*
لكم أن تتصوروا كيف مرت السنـــوات الثلاث الأخيرة علي ( ليتني ما عرفته , ليته ما شغلني عنده ) ..
أصبح الشيخ شيئاً مهماً في حياتي , برغم أنه طردني من عمله إلا أني كنت أتردد إلى المسجد المجاور للمحل لأراه و ليطمئن قلبي عليه ..
و الطريف أني كنت أراقب العامل الجديد الذي احظره بدلاً مني , خفت أن يكون لصاً يستغل طيبة الشيخ و كرمه ..
" أتحبه لهذه الدرجـــة "
التفت إلى ذلك الرجل المسن , قلت بابتسامة واسعة : الشيخ ( سليمان ) ؟
صديق الشيخ صالح , آه كيف نسيت هذا .. لم لم أذهب إليه من قبل !
قال لي الشيخ سليمان بابتسامة : أنت شاب وقح و ماتستحي على وجهك ..
سقط قلبي بين قدمي , و أكمل الشيخ : أتترك الشيخ بعد كل ما فعله لك ؟ ألا تدري أنه يحبك كثيراً يا هذا !
ابتسمت في ألم ( هو لم يخبر صديقه و أقرب أنسان لديه ) , وقلت في خفوت : سنة الحياة يا شيخ ..
ضحك الشيخ سليمان بصوت عال : و من سنن الحياة أن تتردد إلى المسجد و تراه من بعيد , تملأ عينك برؤيته بدون أن تجعله يملأ عينه برؤيتك !
قلت بمرارة : و هل يرغب برؤيتي أصلاً ؟ هل تحدث عني طوال فترة غيابي يا شيخ ؟
قال بابتسامة حانية : هو دائم التحدث عنك , و آخر مرة بالأمس ..
صمت لبرهة قبل أن أسأله : وش يقول عني ؟
في هذه الأثناء جاء ابنه وقال له – بعد أن سلم علي – أنه يرغب بأن يحدثه بأمر ما ..
( وهو هذا وقته ؟ )
وتركني أسأل نفســــي السؤال الذي لم أتوقف عن ترديده طوال السنوات الثلاث الأخيرة ..
( طيب إلى متى )
*
" أيش ؟ "
" كيف ؟ "
أرغب بالصراخ ... بل صرخت فعلاً ... و أمسكت يد العامل بقوة وكأني أرغب بخلعها : وهو فين الحيــــن ؟
تأوه بألم و قال لي أنه في منزله ..
خرجت من المحل متجهاً إلى بيته , نعم .. أعرف بيته فقد تناولت عنده طعام الغداء لأكثر من مرة , و لا تنسوا إنه عرض على ابنته للزواج ..
جلطة قي الدماغ ..
جلطة في الدماغ ؟
سترك يا رب ..
بخطوات سريعة مرتبكة , كنت أمشي حيناً ثم أهرول و أكاد أبدأ بالركض ..
لم أكن أرى إلا وجهه الأسمر و هو يبتسم في وجهي كلما رآني أذاكر بالمحل ..
أخذت الأفكار و الذكريات ترمي بي بكل اتجاه , وتداخلت أصوات الشارع بصوت الشيخ برأسي مما جعل عيني تفيض دمعاً , و بدأت تخرج مني بعض شهقات منذرة بانفجاري باكياً ..
*
لا أذكرهل طرقت الباب أم أني وجدته مفتوحاً .. و لا أدري هل كان متواجداً في المجلس أم أني جلست منتظراً قدومه ..
كل ما أتذكره أني تجمدت عندما وقعت عيني عليه ..
كان جالساً و عينه على الأرض , أتراك تتجاهل وجودي ووقـــوفي أمامك يا شيخ ؟
جلست منكسراً أمامه و قلت بألم : يا شيــــخ ...
ثم نزلت المفاجئة على رأسي كالصاعقة , الشيخ صالح لم يعد يرى ..
أصبح أعمى البصـــر ..
رفع عينه إلى الأعلى , وقال وهو يحدق في الفراغ : ميـــــن ؟
و كأن الدبابيس تنغرس في جسدي كله , هل فقدت بصرك بالفعل يا شيخ ؟
قلت له بحنان وانفاسي مضطربة : كيف حالك يا شيخ ؟
عقد حاجبيه مفكراً , ثم سأل بحيرة : ميــــن ؟
قبلت رأسه ( آآآه متى كانت آخر مره ) وقلت له بابتسامة و بنفس النبرة الحنونة : ما عرفتني ..
ورفع يده يتحسس وجهي , فضحكت رغماً عني , وقال بصوت خفيض : هذا أنت ؟
لم أكن متأكداً بأنه عرفني , لكني ضحكت مجيباً : أي ... هذا أنا ... ما اشتقت لي ..
استقرت يده على رأسي ,ثم أحنى رأســــي و قبله ..
خفق قلبي بقوة مع حركته هذه ..
ثم قال وعلى وجهه تعبير غريب : كيف حالك أيها اللص ؟
اصبحت اسناني واضحة للناظر ( ليتك ترى الحب في عيني يا شيخ ) , قلت له بعد ضحكة قصيرة : بخير ... برغم ابتعادي عنك ..
صمت لبرهة , ثم قال مازحاً : ألم يقطعوا يدك ..
هرشت رأسي بخجل , وقلت بصوت خفيض : يبدو أنك لا تتمتع بنعمة النسيان ..
وما إن ابتسم ابتسامته التي لم أرها منذ سنوات , حتى هجمت على يده أقبلها , و أقول : سامحني يا شيخ .. أنا غلطت و أستاهل العقاب .. و عقوبتي أخذتها بصدك عني , أرجوك لا أحتمل أكثر ..
طبطب بيده الأخرى على يدي , وقال بابتسامتـه : يبدو أنك أنت الأخر لا تملك نعمة النسيان ..
وما إن ضحكت على فتح ذراعيه ليضمني إليه بحنان عظيم لم المسه من قبـــل : راشد .. أنا ما أقدر أشوفك ...
غرق كتفي بدمعاته الساخنة , قلت له بصوت متهدج : المهم سلامتك ..
وبعد أن أعتدل جالساً , وبعد أن مسح جانب وجهي بكفه , قلت له بمرح : كيف حال وعد ؟!
تنهد بعد أن ابتسم ابتسامته التي أحبها , وقـــال بعمق : تزوجت لها سنة ..
ثم بدا عليه التأثر : مالي غيرها .. أحبها .. و لأني أحبها كنت أتمناها لأحب إنســان لي ..
( و أنا الأخرق رفضت عرضه لأكثر من مره )
ارتجفت شفتي متأثراً من كلامه , قلت بهمس : الخيرة فيما اختاره الله ..
قال مغيراً دفة الحديث ودمعة تكافح للظهور : المهم .. كيف حالك أنت ؟
وكأني أنتظر الســـؤال اندفعت أقول : زفت .. من ذاك اليـــوم و أنا في دوامة .. من ذاك اليوم و أنا أحس بنقص بداخلـــي .. أحس أني فاقد شي عظيم .. شي لا أقدر الاستغناء عنه أبداً ..
غص باقي الكلام في حلقي , فصمت و أنا أرغب بـالبكاء من الألم ..
سمعته يهمـــس بامتغاض : زفت ؟
ثم قال بصوت مسموع : وش أشتغلت ؟ ووش أخبار الجامعة ؟؟؟
ابتسمت في ألم : كل شي .. تنقلت لأكثر من محل .. منهم من أكرمني , ومنهم من عاملني بكل احترام .. لكنهم جميعاً اتفقـــوا على عدم احتمالي .. أحياناً أٌقول هذي عقوبة من رب العالمين لأني ... سـ ... سرقتك ..
صمت وقد بلغ بي الحياء مبلغه , فابتسم .. وقال : تصدق .. طوال تلك السنـــوات كنت أشعر بوجودك حولي , لا أدري لكني .. أحياناً كنت أشعر و كأنك تتبعني .. وكأنك .....
( لو تعلـــم )
صمتنا لدقيقة كاملة , كان شارداً وعلى عينه تلك النظــرة التي تدل على أنه يسترجع ذكرى ما , وكنت أتأمل وجهه الأسمـــر الحنون ..
و أجفلت عندما قال بابتسامته التي أحبها : رويشد .. ماشبعت مني .. يلا روح للمحــل وشوف شغلك ..

سـ م ـو
14/01/2009, 02:34 مساءً
قصــــه في غاية الروعه والجمـــال !!

شعرتُ وأنا أقرأها بأني أنا ( البطل !

بكيت لــ بكائه , فرحتُ لفرحِه !

دفا , ( أنتي مبدعه حقاً
أرجوكِ

لا تحرمينا من قلمكِ النادر !

Etresoft Decoder v3.0